|
|
|
|
|
| |
سيدتي الشاعرة
|
|
|
الهدف
الثقافي : محمد بروحو |
الأحد 27 يناير
2008 22:00 GMT |
|
|
الطريق، نعبره مرغمين . والمسافة الفاصلة بين المدرسة والفيلاج ، تبعد
بأميال كثيرة . مسافة كنّا نقدرها بخمسة فراسخ أو ما يزيد.. بعد ما
نقطع نصفه . نكون قد أشرفنا على ربوع . تتسع إلى أمداد بعيدة ، نطأ
ترابها ، بعد عبور النهر مباشرة ، تتناثر على شساعتها مساكن تنتشر عن
اليمين وعن الشمال .
نقطع الطريق صعودا ، بين أشجار سامق علو ها ، الى عنان السماء . من
الأرز والصفصاف والزيتون .
كان الطريق ممتعا . تفترش مساحة الارتفاع ، الذي كنا نصعده لاهثين ، من
مجرى النهر إلى قمة الهضبة . تاركين النهر يتبع مجراه نحو الخنادق .
خنادق وشمها في التواءاته ، الصبيب المندفع بقوة ، أيام الشتاء الممطرة
والعاصفة.
كم كانت لحظة جميلة ، أحببتها كثيراً ، أن أظل أطل على النهر ، وأنا
أصعد الربوة لاهثا ، بين الفينة والأخرى. أتملى بجداول الماء التي
تنساب صافية ، محاذية ، لجنبات الربوع الممتدة على طوله الملتوي ..
وذات صباح ، من أيام الخريف الرطبة ، وأنا أطوي كعادتي ، طريق الهضبة .
تناهى إلى سمعي فجأة ، جدال . على شكل ذبذبات موسيقية . كانت سنفونية
لأصوات نسائية . صوت امرأة ، تتقاذفه الرياح ، من وراء الربوة، التي
كنت أكاد أن أطل من علوها ، على وجه الطريق .
لم أتبين مصدر الأصوات أول الأمر، لكن بتتابع الخطوات ، بدأت ألتحم
أكثر في هيجانها . وشيئا فشيئا.. بدت لي على مسافة غير بعيدة ، امرأتان
منتصبتان ، اتخذت كل منهما مقاما لها ، على ربوتين متقابلتين ، تطلان
على الطريق مباشرة . ذاك الطريق الذي كنت أسلكه مرة كل أسبوع.
كانت إحدى المرأتين ، قد اتخذت مكانا لها ، فوق الربوة ، على الجهة
الشرقية من الطريق ، حيث ظلّت الأخرى تقابلها ، في الجهة الغربية منه.
لم أتوقع أبدا ، أن يكون ذاك الشجار ، شجارهما ، حامي الوطيس ، على ذاك
النحو . شجار يشخص من كلماته ، ملحمة بطولية ، سلاحها الكلمات ، وخطتها
نغمات ، آتية من أصوات أنثويّة نسائية . يتردد صداها في قاع النهر ،
كنداء الزمان..
تحت شجرة زيتون مثمرة ، اتخذت مكانا لي ، قبعت به ، أستفيئ بظلها
ولأتتبع سجال هذه الحرب الكلامية، ومراحل تطورها . عراك نسوة ، ذهبت
السنون بكل أريحتهن ، وضيعت الأيام رقّتهن . سجال في حضرة الأزواج .
الأول يعتل بمعول ، يشقّ به الأرض شقاً ، بضرباته القوية المتتالية .
والآخر ينسج حبالا من العزف . يتناسق التواءها ومهارة خفّة حركات يديه
اليسرى .. القويتين والخشينتين .
يستمعان دون أن ينطقا .. صامتان .. جامدان كصنمين . وحده صوت المرأتين
، هو مايحرك سكون النهر ، هو ما كان يجلجل في شساعة الخلاء .
إنه سجال أدبي رائق . يشدك لتصيخ السمع ، لشذراته المقفاة بلحن الحياة
. أدركت ذلك وأنا أنصت إليهما . ثم وأنا أغادر المكان ، لاهيا ، ساهيا
عن حاجاتي ، التي سجلتها في ذاكرتي المتعبة ..
يتردد صدى صوت المرأة الأولى شتماً وقدحا .. بقافية . تصاحبها نغمات
موسيقية ، متناوبة . شنّفت سمعي وأطربت أحاسيسي ، واندهشت لها روحي
أيما اندهاش ، لتظل الثانية صامتة ، تنصت في سكون . تنظر إلى الأفق
البعيد بشموخ وبزهو وانتشاء .. وكأنها تقرأ طالع اليوم ، لتعد لحربها
خطة الإقلاع . ولاياتي ردها إلا بعد انتهاء الأولى.. واستخلاصها مما في
جعبتها ، من كلمات .. فتسجع الثانية ، بقافية تغاير قافية المرأة
الأولى . وبكلمات ترقى لتتخطى معاني كلماتها . تتراقص الكلمات والنغمات
، وضفة النهر تحضننا ، ومجراه يردّدها أسراراً وبوحا ، في ثنايا أدهر
الزمن.. المنتفض من حر الشمس ..
تظل المرأتان كذلك لمدة .. حتى تحس كل منهما ، أن نفسها قد ارتوت ، من
عناد الأخرى ، فتخبو الأصوات ، ويخف السّجال ويجف ، وكأنه نهر تشبعت
أتربته بلهب الحر ، وتتوادعان . وتقفل كل منهما باب بيتها عليها ، في
وجه الأخرى . ولا يمكن أن يحدث ذلك ، إلا وغروب الشمس ، ينسج خيوط
المساء ، وهو يكاد ينتهي على أفق المغيب .
ولكم أثارني هذا السّجال الغريب ، ولم أكن أتوقع ، حدوثه في يوم ما ،
من أيام حياتي..
تابعت طريقي نحو الفيلاج و مضيت ، و أنا أفكر بعمق ، في أحدى المرأتين
. تلك المرأة التي كانت تحتل الجهة الشرقية من الطريق ، وفي ذاك المشهد
المثير . لا أنكر أنه مشهد ، طبع في نفسي إحساسا بالاعتزاز ، وحب
المرأة واحترامها . مشهد لطالما استهواني كثيرا وأنا أركب صورة وجهها ،
وقسماته التي طبع الزمان عليه أخاديده . فزادها وقارا ، وصلابة وعزة ..
وكم أثارتني تلك الطريقة الحوارية المنمّقة . التي ظل الحوار يدور فيها
بينهما ، والذي حبك ذاك السّجال ، الذي دفن في نفسي ، أريج الحياة وحب
المرأة .
خمنت أنها أمسية شعرية لشاعرتين ، ترددان فيها ما جادت به قريحتهما .
استحسنت تلك الطريقة .
وكنت كلما مررت قرب بيتها ، طوال مدة إقامتي هناك ، أقف للحظة ، أمام
بابه المغلق استرجع فيها صدى كلماتها المتناثرة ، عبر فضاء الوادي
الموحش ، كما هي بيوت القرية. وأنا أتأمل أبوابها وبيت المرأة ،
وأتساءل في صمت . أهي فطرة شاعرات ، يوظفن إبداعهن وقت الغضب..؟ أم هي
عفويتهن ، تحرك في نفوسهن خيوط الإبداع ، فتتفجر طاقة السّب والشّتم ،
شعرا وكلمات وإبداعا . ليبدعن الأحسن والأجود.!؟
كنت أفعل ذلك كل مرّة ،كلما مررت من هناك . فأحاول أن أستقرئ جوابه ،
من وجه إحدى المرأتين ، وأنا ألقاها في طريق العودة إلى القرية .
لا أنكر ، أني كلما صادفتها ، كنت ودون أن تشعر بي ، أبجّلها تبجيلا..
وأقدرها تقديرا.. وأنا القي عليها تحيّة السّلام ، في همس فأقول :
- سلام عليك سيّدتي الشاعرة..
benroho@hotmail.com
|
التعليقات
|
|
|
|
|
|
|
|
الهدف الثقافي
لا
يتحمل أيّة مسؤوليّة قانونية عن المواد المنشورة والآراء
الواردة لا تمثل رأينا بالضرورة،
ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها
امام الجهات المختصة |
|
|
|
|
|
|
|
|
|